سيئة مصر الأولى

English                                          Phone + Whatsapp: 00447456158450    Mail: anis.aldeghidy@anisaldeghidy.com

 سيئة مصر الأولى

 

و ... راودته التي هو في بيتها عن نفسه ..
"راودته" طلبته برفقٍ وتأنٍّ .. تفيد التكرار والإصرار ..
"وَرَاوَدَتْهُ الَتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ"
يا رباه .. إن الجريمة هنا ليست وليدة اللحظة !
رباه ما هذه الصور الإبداعية البديعة :
وَرَاوَدَتْهُ الَتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ
وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ
وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ
"قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ"
إذن .. لقد راودته سابقاً لهذه " الحادثة الفاصلة " فجريمة الزنا بالذات هي الجريمة الوحيدة في قائمة صحائف الجرائم التي لا تتأتى وليدة اللحظة أو الصدفة أو الوهلة الأولى ... فالقتل قد يأتي بغتة دفاعاً عن النفس أو اضطراراً .. والسرقة قد تأتي مرة بحكم المفاجأة وإن كان التخطيط مبدأها الأول .. لكن الفاحشة بالذات لا تأتي وليدة الوهلة الأولى .. بمعنى أن هناك عوامل كثيرة تسبق الفاحشة نفسها كـ تزين المرأة .. ثم إظهارها للرجل هذه الزينة .. ثم إظهار المفاتن .. ثم التميع بالقول والتكسر والتغنج به .. وقد يصحبها شم كالـ تعطَّر .. بعد كل ذلك يدخل دور الرجل الذي يسترعي انتباهه سبعة أفعال للمرأة .
ثم يبدأ بعدها دور الرجل في قبول أو رفض ذلك الصنيع أو تلك الفعلات أو المقدمات السبع التي قامت بها المرأة .. لذلك قُدِّمتْ الزانية على الزاني .. بعكس السارق قُدِّمَ على السارقة .. لأن جريمة السرقة في الغالب تحتاج لقوة بدنية وهي للرجال أقرب .. أما جرية الزنا فبطلتها المرأة التي تستعمل ضعفها وأنوثتها فتستثير الرجل وتغويه .
وتشتعل وتستعر الأحداث سخونة كلهيب امرأة العزيز ..
فهي غلَّقت الأبواب الكثيرة بإصرار وترصُّد ونية مبيتة على ارتكاب الفاحشة .. ثم دلفت إليه في غرفته فوَّاحة الرائحة .. باسقة كالنخيل .. تخطف الفؤاد وتعمي العين وتأسر اللُب أدرك يوسف أنها لا تزال على هَدي نظراتها الخارجة وكلماتها المعسولة وإشاراتها المستثيرة وأهدافها اللولبية الخبيثة، وبادرته :
- يا يوسف .. ما أحسن صورة وجهك .
حاول أن يكون طبيعياً وانشغل بإعداد غرفته وترتيب حاجياته فقال دون أن ينظر نحوها :
- في الرحم صورني ربي جَلَّ في عُلاه .
تثنَّت .. تَلَوَّت .. تدلَّلت .. رقَّقت صوتها في رغبة محمومة لاستثارته وأقبلت على حَرْدٍ وأُهبة مجترأة ثم قالت :
- يا يوسف .. ما أحسن شَعْرَكَ .
قرر أن يشل تفكيرها ويُلجم لسانها ويوقف نزيف خطواتها نحوه فقال :
- شَعري هو أول شيء يبلى مني في قبري .
لم ترتعد ولم ترتدع وكأنها لم تسمع شيئاً فتقدمت خطوة وهي تتغنج في ميوعة وتتميَّع في غنوجة حين ذابت هذه في تلك :
- يا يوسف .. ما أحسن عينيك .
وضع كفه عليهما يحجبهما ثم نكَّس رأسه وقال :
- بهما أنظر إلى ربي يوم القيامة في يوم الحسرة والندامة .
سوَّت هندامها وهي تسحب قميصها الفضفاض القصير الذي لا يستر ولا يحجب ثم شَدت خَدَّيها بالسبابة والوسطى ليزدادا احمراراً ولهيباً ودنت منه خطوات :
- يا يوسف .. ارفع بصرك فانظر في وجهي .
ارتعد فقفز بغتة بعيداً، لقد شعر من دنو صوتها باقترابها منه أكثر، وهنا فقط نظر صوب هذا الشيء الذي دَنا منه نظرة ترقُّب وتحفُّز بالفرار لا نظرة رغبة وتفحُّص :
- أرجوكِ يا سيدتي .. لقد جئتِ أمراً إدًّا .. إني أخاف العمى في آخرتي فكوني لي عوناً فقد كنتِ لي دوماً طيلة ثلاثة عشر سنة ولَّت ودَبَرت نِعمَ السيدة المصون والأم الرؤوم والراعية العدل .
انتفضت زليخاء غضباً واستشاطت حطباً فقد أنشبت الرغبة أظافرها في أوصالها ونهشت جسدها إرباً إرباً فقالت :
- لا تقُل لي أمُّك .. فلستُ لك بأُم ! أمُّك مَنْ وضعتك .. أنا رعيتُك عاشقي ومحبوبي ومالِكي وأسيري الأثير الآسر المالك والحاكم في قلبي ومشاعري .. لقد حُصِّلَ قلبي وأُنهِكَ بدني وسُقِمَ جسدي ورَقَّ لك فؤادي وناداك شوقي .. فارحم ضعفي فيكَ وجنوني بِكَ .. فإني أحبُّك يا يوسف .
- وأنا أحب الله يا سيدتي .. الله قيوم السماوات والأرض .
- وحبي هذا ألا يسترعي انتباهك ؟
- وهل من يحب أحداً يؤودُه هَماً ونَصَباً .. تعساً لكِ يا أَمَةَ الله ؟!
- حبي لك فوق الحدود والإمكان والطاقة يا يوسف .
- بل هو حُبٌّ مبتور به عوار وعار وشنار مُبَتَّكُ الأُذُن أبكم أصمُّ بلا قدمين.
حارت .. ثارت .. خارت .. حين انهارت مشاعرها وسال ودَقها شلالات رغبة :
- يا يوسف .. لقد تجملتُ وتعطرتُ وتأهبتُ لقُربِكَ وحُضنِكَ، ألا ترى رقتي ودلالي وجمالي وطغيان مفاتني تناديك ؟
تعفَّف .. تأفَّف .. تصوَّف .. تخوَّف، فقرر :
- هو تَفَثٌ ونَفثٌ وروثٌ .. وَتِيهٌ وخَبَلٌ وجنوح عن الحق والصواب .. فاغْرُبي عَنِّي بهم يا هذه .
تلطفتْ .. قفزت بخفة وضَبَحَتْ وتخطفتْ إليه .. ثم أردفتْ :
- ألا ترى لقد غَلّّقتُ حميع الأبواب يا يوسف ؟!
- ولكن بقي باب واحد يا سيدتي لم تغلقيه .
انتبهت إليه في سعادة وهي تمني نفسها بجريمة عظمى فظنت أنه استجاب :
- أي باب لم يُغلق يا يوسف .. لقد أغلقتها جميعاً بيدي هذه .. هل تقصُد باب غرفتك هذه ؟ ها هو أغلقته يا يوسف .
ثم يممت بسرعة نحو باب غرفته فأغلقت على الفور والتفتت إليه في سعادة منتشية .. فوجدته متجهماً وقد ازداد تحفزاً وغضباً بعد غلقها لبابه :
- باب الله لم يُغلق بعد يا سيدتي .. فأغلقي باب الله جل في علاه أولاً .
انتفضت غاضبة :
- الله في السماء الآن يا يوسف .. وأنت هُنا في غور أعماق بيتي .. وكُل الأبواب موصدة بإحكام .
- ولكن الله يطَّلع ويرى وهو حي لا يموت ولا ينام .
- ولكنني أحبُك يا يوسف .
- حب زائل ..يفنى ويزول ولا يبقى منه سوى الخطية والنار وغضب الرَّب.
اقتربت من السرير وهي تتدلل في وَلَهٍ وتغنُّج وتكسُّر :
- يا يوسف .. ألا ترى القيطون .. لقد فرشته لك فادخل بي عليه .
مَدَّ يديه وشَدَّ الاحتِباكَ بحسم وحزن وأسى وهو يتراجع في خوف ورُعب :
- القيطون يا سيدتي لا يسترني من ربي .
رمته بنظرةٍ أريبة ذات معنى :
- مَا كل هذه الحُبُكِ يا حبيبي ؟! هلا حَللتَ إزارك وتخليتَ عن دِثاركَ .
ارتعد مبتعداً في خوف وهلع :
- إليكِ عَنِّي يا هذه .. أقسمتُ عليكِ بخالِقك .
انهارت قلاع رغبتها واستشاطت نيران ثورتها فقالت :
- يا يوسف .. إني أحترق فيك ولك وبك .. فانظر فراش الحرير هذا فرشته لك فهلُمَّ فاقض حاجتي وأسكن روعتي .. فأنا جاريتك وملك يمينك وأنت حبيبي وحياتي ومالِك أمري .
ارتعد وانزوى في رُكن الغرفة فقد فشل في تثبيطها :
- هذا الحرير يذهب بنصيبي من الجنة يا سيدتي .. فلا تسلبيني ما أرغب من خالقي .. ولا تجعليني خوَّاناً لمَنْ منحني الأمن والرعاية والحب والثقة حين أسكنني بيته .
رفعت يديها لأعلى مستعرضة وهي تدور أمامه في إغراء وتمايل وتثنٍّ فبَدا جمالها الفاتن الأخاذ الذي يسلب الألباب وهي تحُثُّه حَثيثاً :
- يا حبيبي .. هَيتَ لك .. هَلاّ رَتَقتَ بي وصَفَنْتَ وأذقتني رحيقك رَخَاءً سلسبيلاً وأذبتني في حِضنِكَ رُخَاءً ناعماً ؟ هيا نُوفِضُ إلى ملذاتنا .. إن حبي لك لا انْفِصَامَ ولا فِطَاَمَ فيه .
- بل ريحُكِ مندثر وحُبُّكِ مُنْقَعِر .. فانصرفي عنِّي وأقْلِعِي ليغيض أثرُك.
اقتربت أكثر .. زكمته بعطرها .. حاصرته بحُسنها .. أرَّقته بفحيحها .. فرفع بصره رويداً رويداً !
رآها لأول مرة .. فاتنة .. آسرة .. رائعة الجمال .. ملفوفة القوام .. بضة الجسد .. ملتهبة .. .. مزمومة الشفتين .. رحيبة العينين .. ناصعة كالْمُزنِ .. صبوح الجبين .. دقيقة الخرطوم المعقوف الأقنى .. وضَّاءة الجبين .. أسيل الخَد .. طويلة العُنق .. نافرة النهود الراسيات الشامخات .. عديمة الخِصر .. تتمايل كغصن البان .. آهٍ .. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ..
ولكن .. الهمَّ هُنا " همَّان " هَمّ ثابت وهو ما كان معه عزم وعقد ورضا مثل هم امرأة العزيز، وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف عليه السلام.
نعم .. لقد همت به هم عزم وهم بها هم الطباع مع الامتناع ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده " المخلَصين " بفتح اللام
و ... فجأة .. ظهر برهان ربه كذلك ليُصرف عنه السوء والفحشاء ..
هُنا ظهر له أبوه يعقوب .. نعم رآه يوسف رأي عين .. اتخذ يعقوب مكانه في الغرفة في أقصى اليمين خلف الباب الموصد .. بينما زليخاء في أقصى اليسار تتثنى وتتدلل وتتغنَّج جنوناً .. ويوسف في عمق المنتصف حيث يقبع في ركن الغرفة يواجههما .. في حين أقيم ستار أبيض بين يعقوب وزليخاء ستراً .. انتفض يوسف حين رأى والده الشيخ الكبير .. النبي .. غاضباً ينظُر إليه حين ناداه ثائراً:
- يوسف ! احذر يا يوسف .. احذر يا ولدي .. أنت مكتوب في ديوان الأنبياء وتعمل عمل السفهاء ؟!
انتبه لأبيه يوسف .. جحظت عيناه .. أُخِذَ .. ذُهِلَ .. في حين لا تزال زليخاء تتفنن في إغرائه وقد ذابت شهوة واشتعلت ثورة :
- كُلي مِلكك أنت يا يوسف ..هذا الجمال تملكه أنت .. نعم تملكني وتأسرني.
لا يزال يعقوب حانقاً حاسماً غاضباً يكوي يوسف بسهام عينيه الناظرة الثاقبة غضباً وثورة، يمَّم يوسف لها غضباً في حسم وذأمها :
- ما أدهى ما تدَّعين يا امرأة .. إن هذا لَشوْب كبير .. بل هو لسيدي .
بغضب تمتمت :
- أتعني العزيز قِطفير ؟! .. ما يملكني مِنْ قِطْمِير .. بل هو رجل أحمق .. أخرق .. أرعن ضَنين .. عِنِّين لا يأتيني .. أصمع أبقع أفدع .. وليس لي به حاجة ولا إرب .. فلا تذكره لي .
ارتعد وانتفض رعباً ثم قرر :
- أُعْيذُ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة مَنْ أكرمني بأن نجَّاني من الجُبِّ وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن .. فإنه لا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه .. هذا خَتْرٌ في قصر سيدك وشرفه .
تمتمت غضباً وثورة ثم يممت نحوه بإصرار :
- لقد أغضبتني وأشعلتني وآيستني .. لأقضيَنَّ حاجتي مِنكَ عنوة .. فأنت عَبدي وفتاي ومحبوبي .
هنا فقط توارى يعقوب وخرج، اختفى الستر الأبيض الفاصل الذي ضُربَ بينه وبين زليخاء .. التي كَرَّت على يوسف بقوة الافتراس تنتهشه في رُكن الغرفة هجوماً ضارياً تشعلها الرغبة وتحرقها الشهوة وتحكمها الجريمة وتقودها المعصية .. نزل يوسف على رُكبتيه قليلاً فتثنت ثم انزلق على الأرض كالثعبان زاحف قافزاً .. ثم انتهض فهبَّ واقفاً فوجدت امرأة العزيز نفسها تحضن الهواء فانتهضت مسرعة بعنفوان الشهوة وهجمت عليه ثانية .. فقد انطلق نحو باب الغرفة الرحيبة يتبع أثر أبيه يعقوب .. فانطلقت خلفه تسابق الريح .
"واستبقا الباب" .. هو يستبق للفرار بأقصى سرعة .. وهي تستبق بمنتهى السرعة والرغبة للإمساك به لممارسة الرذيلة والفحشاء قبل أن يفتح الباب ..
"وقدَّت قميصَه من دُبرٍ" .. فماذا يحدث في غرفة النوم ؟ ماذا عن الحالة الخاصة والصور المحظورة لامرأة العزيز ويوسف :
الصورة الأولى : امرأة جميلة زوجها لا يبلغ النساء ! تفكَّرت وقرَّرت !
الصورة الثانية : تأهَّبت وتزيَّنت .. الصورة الثالثة : أغلقت جميع الأبواب إلا باب الحي القيوم .. الصورة الرابعة : ثم تتقدم من شاب بهي الطلعة مطمأن السريرة يحمل صك "النبوة" نجل نبي حفيد نبي ! فهل يعقل أن ينجرف إلى جريمة الفاحشة ؟! مستحيل .. الصورة الخامسة : طبيعي أن ذلك الموقف ليس هو الأول من نوعه الذي تحاول أن تسترعي انتباهه .. لكن تلك هي المرة الأولى يقيناً التي جهزت جيوشها وأسلحتها الآثمة وقررت المواجهة !
الصورة السادسة : امرأة "جاهزة تماماً" لفعل الفاحشة وتدعو الشاب بقولها: هَيْتَ لَكَ .. فيجيبها الشاب بـ : مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ .
"وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ" (24 يوسف ) مستحيل أن يكون الذي قال: "مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" يرضخ لـ "الهمّ" بها ! مستحيل .. فهو التقي الورع الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم .. الراجح أنها "همت" هَمَّ فعل وهو هَمَّ بها همّ امتناع وابتعاد .. أي همّ بالبعد عنها .. أو لولا أن رأى برهان ربه لهَم بها .. لأنه أولاً تعوذ بالله وهو جل وعلا أعظم مَن يُذكر في تلك الأحايين ثم يستكمل أيضاً بتذكر زوج المرأة وهو عزيز مصر ويقول عنه إنه رَبي أحسن مثواي "أي رباني" عنده داخل بيته فكيف أخونه ؟ فضلاً عن نبوته وطهره وكرم منشأه ورفيع درجته ونادر سلالته .. والهم بالشيء يعني "مقاربته من غير مواقعة" والدليل على أن همَّ يوسف بها لم يكن من جهة العزيمة وإنما كان من جهة دواعي الشهوة .
الصورة السابعة: يبدو أن النبي يوسف في غاية الهدوء والثقة من نصر الله وعونه، فلا مجال لديه للشهوة والرغبة بدليل أنه كان في غاية التفكير والروية واتخاذ أفضل القرارات وأزكى السلوك .. حيث تهيأت وفعلت ما تفعله الراغبة المتأججة من كل صنوف الإغراء والإغواء .. أنه وعظها أولاً بتذكيرها المولى عز وجل .. ثم ذكره زوجها الذي أحسن إليه .. أنه لم يفكر في ضربها وإلا بدا عليها آثار الضرب فترى كأنها مقاومة منها للمعتدي عليها ! أنه تصرف بكل هدوء وروية وطبيعية "رجل مؤمن ونبي مُرسل" وفر منها للأمام نحو الباب الموصد .. في تتابع صور بديعة .
ثم نصل إلى الصورة الثامنة في الرحلة الحرجة ! واستبقا الباب .. السباق هنا يعني مسابقة في العدو السريع بكل ما أوتي من قوة الشباب في الثانية والعشرين من عمره في محاولة جادة وحاسمة وخاطفة للهرب .. وامرأة تنقضُّ عليه بكل ما أوتيت من قوة رغبة وغطرسة شهوة وفتوة وشباب في السادسة والثلاثين تمسكه من الخلف بعد أن لحقت به .. وبالقطع قوتها عنيفة في ذلك الوقت واندفاعها أعتى لماذا ؟! أولاً : لأنها مشتعلة الرغبة وترغب في قضاء وطرها منه وهذه شديدة .. ثانياً : لأنها تخشى إن خرج يوسف على هذه الشاكلة والحالة أن تحصل لها الفضيحة من جراء مسلك لا تضمنه فيه خصوصاً لأنها واجهته ولأول مرة "بالتصريح" والعمل والسلوك والإعداد للجريمة من تزين وتجميل وتغليق الأبواب وتهيئة ومثول ودعوة، فلم تجد سوى "الحكمة والموعظة الحسنة" ! حكمة في القرار بل ووعظها بقوله "معاذ الله ثم ذكر زوجها" من هنا أتى استباقها له بمنتهى القوة .. فكانت النتيجة أن لحقت به وعاونها على ذلك الباب المغلق الذي لم يتمكن من فتحه بسرعة .. حيث كانت هي تعلقت بقميصه ! فـ قُدَّ من دُبرٍ ! لتكتمل الصورة التاسعة .
تمكنت يده من فتح قبضة الباب وهمَّ بالخروج وهي تمسكه من تلابيبه من الخلف .. وهو يصيح : "اتركيني يا سيدتي" .
فجاءت المفاجأة الصادمة .. وألفيا سيدها العزيز لدى الباب ! نعم عزيز مصر وكبيرها بالباب .. وهو الوزير الأول والأوحد للملِك الفرعون .. هو صاحب الأمر والنهي في مصر .. وصاحب المَلِك والمُلك .. وقاضي القُضاة ومالِك الأحكام .. والحاكم بأمره .. ورجل التنفيذ الأول .. وجابي الأموال .. ومانِح الميرة والصدقات والزكاة والمعونات .. ومانِع العطايا والهِبات إن شاء .. هو صاحب طِيْبة .. وعزيز مصر .. ورجُل المهام المستحيلة وصاحب الكلمة العليا والأخيرة فيها بعد الفرعون .. أخيراً أتى العزيز .. ليشاهد زوجته زليخاء وفتاها يوسف في حالة استثنائية مريبة وبيِّنة وجَلية لا تحتاج لبيان .. الفتى وجهه لخارج الغرفة مولياً .. بملابسه العادية دون تجمُّل أو تجهز .. مستغيثاً منها .. وامرأة العزيز على أكمل وجه وأبهى طلعة وأروع زينة .. زينة لم تتزين بها لزوجها العزيز نفسه ! إن زوجها نفسه لأول مرة يجدها بهذا التجمُّل والتجهُّز والرائحة التي تُسيل اللعاب وتخبل الألباب !
إنها شبه عارية .. وعارية .. وزابدة وراغية وثاغية .. وساخنة .. ومشتعلة ومنصهرة ومطمورة بطمي العار وكيمياء الرذيلة وعِطارة التسيُّب .
شَعْرُهَا .. يتدلَّى كأسلاك الذهب .. مضيئ كاللهب .. فاحم كالليل المُدلهمّ .. أسود غطيس كأيامها القادمة .. جبهتها عريضة .. ونظراتها مريضة .. وآمالها مهيضة .. وعيناها كالبقر وعقلها كالحيوان .. ووجهها كضوء الشمس المخسوف وأنفها قافِز معقوف .. وجنتاها .. كشعاع القمر المكسوف .. وسَناها كظِلِّ سراب معطوف .. وفمها .. مزموم محفوف بشتى المكاره والآثام ودنيئ الصنوف .. وأنفاسها تتزاحم .. تهبط وَحْلاً .. وتنزل سفحاً .. تطلعُ إثماً .. تتصاعد شوقاً .. تتعانق شهقاً وزَفراً في رغبة محمومة مجنونة لتجترَّ رجيع قيئ الجسد الفاني .. فتلوكَ شرف عزيز مصر الغالي في حضيض السقوط والتردي .. وتحيا طِيْبة حرة مستقلة !! وخصرها .. ينساب في موسيقى ودلال وجريمة سَحْق آثام الرغبة تحت نير الأهوال .. أهوال غضب الله وسخط الرَّبِّ وزلزلة قصر السلطة في طِيْبة تحت وطأة رغبات الهانِم حرم السيد عزيز مصر الهمام ! شفتاها .. تنتفضان رغبة وإصراراً على خوض معركة فاصلة مع المعصية والفاحشة .. وصدرها .. ناهد .. نافر .. رجراج .. يرفض كل عهود الأخلاق وكل مواثيق الفضيلة وكل محاولات إصلاح ذات البين .. فقد رفع شِعار : "يسقُط حَمَام السلام ويحيا غُراب البين".. قد غادر صدرها مكانه ومأمنه وَمَكْمَنَهُ وبيته وعُشه ووكره وموطنه .. احترق بعضُه واشتعل معظمه واستشاط شطره وانصهر مَقْدَمَه .. اختلط حلاله ومُحرَّمه في ثورة متمرداً على شتى أعراف طِيْبة وتعاليم عزيز مصر وتعاريف الكبار وقيود الصفوة وأخلاق البشر وستر المرأة وخجل البتول .. بنانها .. تبحث عن معزوفة دُعر ومنظومة عُهر في أغنية خروج على النَّصِّ لتضرب أمانة زوجها العزيز في مقتلٍ مع شابٍّ لم يزل في المُقتَبلِ .. لتحلم زوراً بموقعة محرَّمة تذوب فيها القُبَل .. وتحترق فيها المُقل .. وتغيب فيها كل نواميس الله وثوابت الشرع، وتهتاج في حضرتها كل شياطين الجِنِّ وكل آلهة اللاتِ والعُزَّى وسُواع وهُبَل .
ساقاها .. في خِصام مُطلق وخلافٍ متصل وعِراك دائم وحروب دامية مع كل وسائل الحياكة والخياطة وخبراء الملابس حيث تتلألآن لينيرا بيت العزيز بالفضيحة ! اختلط عطرها الفاضح بعرَقِها المفضوح فأصبحا خليطاً ومزيجاً غريباً يُقطِّر دناسة ورِجساً ومعصية كـ ولَغِ الكلب أو أشد نجاسة !!
فحيحها .. يحرِّقُ أطباق القاعة ليلوِّثَ أرجاء القصر دخانه فيفيض على طِيْبة بغمام وآكامٍ سحاب الفاحشة فيمطرُ وَدَقاً أسود وأحمر يملأ شوارع مصر بالدَّمِ المسفوح من عُهرها ومجونها وجنونها .. وها هو العزيز يستقبل رأس يوسف الهارب من الغرفة في صدره .. بينما وجه امرأته زليخاء يواجه وجهه غضباً وقرفاً وضجراً وهي لا تزال ممسكة بتلابيب فتاها من خلف قميصه ! تلك هي الصورة العاشرة .. تواجه الزوج والمرأة المتزينة في ملابس خليعة والمشتعلة بفتنة المرأة المتأهبة للفعل أو الفاحشة ! وتواجها مع النبي المعصوم " المُخلَص " من رب العالمين بفتح اللام .
على الفور قَالَت للعزيز :
- "مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" ؟!
إنه تسلسل عجيب حقاً !!
"سباق محموم .. قُطِعَ قميصه من دُبرٍ .. دخول زوجها .. فوراً قالت له :
"ما جزاء من أراد بأهلِك سوءًا... !" سباق رغبة محمومة من امرأة آثمة .. مشتعلة .. راغبة .. على حالتها المتأهبة المجنونة .. تجري خلف الشاب، تقطع قميصه من دبرٍ ثم تجد زوجها بالباب ليشاهد هذا المشهد المخيف المخزي ! فتفاجئه المرأة بسؤال ! ياللعجب والدهشة ! تطرح سؤالها على شكل قرار وحكم قضاء ونتيجة حاسمة قاصمة فاصلة ! فتقول لزوجها "عزيز مصر" أو معالي الوزير الهمام ! :
- " مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
أواه يا ربي ! لقد أوجزت الآثمة المجرمة بعبارة شيطانية مدروسة بمنتهى السرعة .. فيقفز هنا حتماً خاطر وهاجس وتساؤل أحمر محموم : هل هذه المرأة أريبة وخبيرة بعِلم الرجال ؟! وحتما سيُتبع هذا التساؤل بآخر أسود : هل هذا السلوك هو الأول من نوعه لهذه المرأة مع .. رجل ؟! ولا نقول المحاولة ! فالمرأة الغير مجربة هنا أو الغير محترفة تسلك الآتي : لا تقوم بالتزين والتأهب وتغليق الأبواب ولا تقول : هيت لك .. كلمة "هيت لك" لا تقولها إلا لعوب خبيرة بشئوون الرجال .. أما لو كانت قالت مثلاً : "ماذا ترى" أو "هلا رغبت" أو ما شابه ذلك من صنوف عبارات تغلَّف بالخجل لكان يمكن أن تكون تلك هي المرة الأولى في مداهمتها عذرية رجل ! لكنها قالت كلمة تعبر عن أستاذية وخبرة سابقة وهي "هيت لك" .. لو كانت تلك المرأة تخوض هذه المغامرة للمرة الأولى لكانت بكت من سلوك النبي يوسف حين قال لها "معاذ الله" وذكر زوجها ، لكنها امرأة خبيرة مُصرة على المعصية بحكم العادة .. بينما المرأة التي تخوض غمار التجربة لأول مرة يكون عندها حياء فطري رغم رغبتها الجامحة فتكون في حالة اعتراكٍ بين الخجل والغريزة، فأيهما ينتصر المرة الأولى "الخجل أو الممارسة" يمكن أن يصبح عادة أو يخفف وطأة نقيضه في المرة اللاحقة ! وباليقين هذه المرأة تمارس ذلك عموماً لا حباً "أن المحب لا يكيد لمحبوبه" ولا يعذبه فأين روح الإيثار بين المحبين في عُرف مفهوم حبها الذي تدعيه ! أليس الحب طهارة وقدسية وتضحية وستراً بين حبيبين ؟ فكيف فضحت هي قصتها به ؟! إن المرأة الخام أو الخاملة الغير مجربة يستحيل أن تأتي بالرد السريع العاجل المكذوب لزوجها مهما أوتيت من براعة .. إلا إذا كانت لعوباً ومجربة ومعتادة وخبيرة بعلوم الرجال والخيانة والحرام .. ما هذه السرعة العجيبة التي جهزت بها العبارة الجامعة الحاسمة التي أطلقتها إلى زوجها "عزيز مصر" ! لقد أطلقت عبارتها بسرعة وشمولية وحنكة وخبرة : "مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" ! فلم يرد الزوج ! الزوج عزيز مصر الرسمي .. وبعبعها ! ومَن هي زُليخاء ؟! مجرد زوجة لسيادته فحسب ! لا تمثل وظيفة عمومية .. ولا تتبوأ مقعداً رسمياً .. ولا تشغل منصباً حكومياً .. كل القضية أنها فقط .. زوجة العزيز .. عزيز مصر .. فحسب ! وضعت امرأة العزيز ـ التي لا تمثل أية قيمة عملية أو رسمية في المسئولية في مصر ـ وضعت قراراً وحكماً قضائياً في سابقة لم تحدث في تاريخ بيوت الحكم وهي : "تدخل امرأة الحاكم في شئوون البلاد والقضاء والأحكام" فتحصل على براءة أحد أو تسجن غيره ! لتسن امرأة العزيز اللذيذ سُنَّة سيئة في هذا المجال سوف تبقى في "مصر" وفي غيرها من الأمصار ما بقيت لعبة السياسة والقضاء !
لقد أصدرت عبارتها للعزيز .. "بالأمر" ! نعم بصيغة الأمر ! وهو مَنْ هو؟! هو الآمر الناهِي في مصر خَلْقاً وأرضاً وسماءً وزرعاً وماءً .. فهو يحكم ويقضي في العباد والبلاد .. هو عزيز مصر وحاكمها المتغطرس المرعب .. وتحمكه امرأة ! خائنة .. كاذبة .. داعرة .. ماجنة .. خادعة .. متلبسة بفعل الفضيحة والخيانة ! وهو بنفسه ضبطها لتوه متلبسة بخيانة سيادته .
صَدَّرَتْ عبارتها وحكمها له بصيغة الأمر وليس بصيغة الرجاء .. حيث تحدد لزوجها أحد حكمين : السجن أو التعذيب ليوسف !
وكلاهما مُر .. هو قرار الواثقة القوية بدليل أن " البيه " زوجها لم يتحرك له ساكن ولم تنتفض له رجولة ولم يتمعَّر له وجه، بل لم يرمش له جِفنٌ .. ولم يتكلم حتى تلك اللحظة ! فهل سيادته أخرس أبكم ؟! أم تراه معتاد دائماً ؟!
والسؤال القافز هنا وبقوة : هل زوجها لم يستطيع الحديث لفرط ذهوله مِمَا رأى من مفاجأة !
والجواب : بالقطع لا .. إذ يبدو أن جنابه "معتاد دائماً" لكن الراجح أنه ضعيف الشخصية وعديم الخبرة بعالم المرأة وخباياها .. فلو كان ممن يهتمون بخصوصيات وفهم المرأة لكان ممن يأتونها .. وليس ذلك يشفع لجنابها من آثام ! فلماذا لا تطلب منه الطلاق وتتزوج غيره طالما أنه كذلك! والواضح أيضاً أن جناب "سيادته" ! لا يتمتع بأي قدر من فهم الصورة الأنثوية .. وإلا فكيف لم يفهم ما يلي : زينة امرأته وملامحها وحركاتها وشكلها حين شاهدها في الواقعة محل السرد من خلاعة وعري "لإمرأة متأهبة متأججة" التي يفترض أنها لا تتزين كذلك إلا له "زوجها" وفي غرفة نومه .. فهل يوسف هو الذي زينها وجمَّلها وهي فاقدة الوعي أو الذاكرة ؟! المرأة المتأججة والمتأهبة تكون لها ملامح خاصة وعلامات أكثر خصوصية في تلك الأحايين فكيف لم يتنبه لها ذلك الزوج ؟! يقيناً إنه عديم الخبرة بالمرأة !
إن نساء أهل مصر في ذلك الزمان وغيرها من الأمصار في كل زمان يتعطَّرن بأرقى أنواع العطور الزكية، وأجزم أن امرأة تستجمع قواها وجيوشها وجمالها وملكاتها لا يفوتها أن تتعطر لرجلٍ تريد أن تسترعي انتباه كل خلجاته وهي تعلم أن "الأنف" من أهم وسائل الاتصال في تلك المواطن والظروف ! فلا أعتقد أنها تهمله .. فهل زوجها فاقد لحاسة الشم فلم يجد ريح زوجته بعطر خاص يفترض أيضاً أنها لا تضعه سوى لزوجها أو لعملياتها الخاصة ! فكيف لم يلفت نظره هذا ؟
فضلاً عن : ألا يعلم معالي عزيز مصر :
مَنْ يوسف عظيم خُلقه وبديع خِلقته وكمال فضائله من تلك السنوات الثلاثة عشر التي مكثها يوسف في بيته فلم ير عليه من سوء ؟ فكيف يظن ذلك فيه؟
وأيضاً : المرأة المتأهبة للرجال أو الخبيرة بهم أو المتطلعة إليهم تكون لها سمات كثيرة تستنطق كلماتها السريعة الطلقات أو المتمتمة في دهاء وتثير سلوكها المضطرب ومزاجها المعترِك .. وتوقظ نظراتها الحائرة أو الخائرة، وتشعل التفاتاتها الجائرة، وتؤجج أنفاسها الحارة، وتزلزل سكناتها الجائرة، وتحرض حركاتها الثائرة، فأين جناب "سيادته أو أفندينا وزير أو عزيز مصر لا فرق" ؟! أين هو من كل ذلك ؟ كل هذا ولم يتفوه الزوج ببنت شفة !
ويوسف بعد دهشة وعجب وقد انتظر رد أو تعقيب الزوج الصامت الذي ضبط زوجته متلبسة بالفضيحة .. فلما وجده لم ينطق تكلم هو فقال يوسف :
- هي راودتني عن نفسي .
لا يزال الزوج لم يرد أو يعقب لفترة طويلة ! لماذا ؟! لأنه ضعيف الشخصية
فقد تكلم يوسف ليدافع عن موقفه وقضيته .. واليقين أن يوسف رد مباشرة من هول المفاجأة ويبدو أن لم يرغب في عبارة طويلة فأوجز لعلَّ الزوج يرد .. أوجز ليترك للزوج فسحة للتدخل .. فلم يتدخل جنابه ! ولم يتحرك له ساكن أو ناصب أو مجرور أو مرفوع ! ولم يرُد الزوج .. بعد ! وشهد شاهد من أهلها .. شاهد مفاجأة .. شاهد كارثة .. شاهد مصيبة .. شاهد آية من آيات الله .. شاهد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : " تكلم أربعة وهم صغار ـ في المهد ـ : ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى عليه السلام " رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال صحيح على شرط الشيخين .. ما هذا ؟! شاهد طفل رضيع يستنطقه الله فينطق بالشهادة لعزيز مصر ؟! فمَنْ هو هذا الشاهد الذي مِنْ أهل امرأة العزيز ؟! هو من أهلها كان نائماً على أريكة خارج غرفة يوسف .. أي لم يشهد الواقعة رغم أنه طفل في المهد ! وهو من أهل امرأة العزيز تركته أمه نائماً لتقضي بعض الأعمال في قصر العزيز، ولم ترَه الخائنة حين كانت تغلِّق الأبواب، لأنه قطعة صغيرة مُلقاة في " لفَّته " على الأريكة في الهول الرحيب خارج الغرفة .. فماذا قال الشاهد في القضية ؟ انتبه العزيز الذي لم يزل واقفاً أمام الباب في مواجهة زوجته التي لا تزال ممسكة بتلابيب يوسف من ظهره .. انتبه لصوت الطفل " الشاهد " ينطق من مهده قائلاً :
- إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ .. وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ .
نطق الشاهد في المهد ليكون أبلغ دليل براءة لا يستوجب بعده النقاش أو المحاكمة! ولكن ضعف شخصية عزيز مصر وقوة بئس امرأته كانا أقوى من شهادة " نطق طفل في المهد " ! لماذا ؟! لأن زوجها "عزيز مصر" رجل ضعيف الشخصية قدره في يد امرأة ! فعليه أن يلقى منها ما تراه أو تفعله !
فماذا عن الأداء التمثيلي في شخصية امرأة العزيز خصوصاً في هذا المشهد المشتعل ؟! وكيف لامرأة العزيز أن تتمكن من خداع زوجها " عزيز مصر " طيلة سنوات حياتها الواجِعة والموجوعة .. الفاجِعة والمفجوعة .. الخائنة والخئونة معه ؟! ألم يكتشف سلوكياتها .. لأنه يستحيل أن يولد مجونها فجأة !
أم أن مجونها هذا كان موقفاً " خاصاً وسريعاً " أي : نزوة عابرة ؟
لا أعتقد إطلاقاً ولا أتصور ألبتة سوى أن الهانم حرم سيادة عزيز مصر "متعودة دائماً" !! ستجيبنا أحداث امرأة العزيز مع النسوة بعد قليل على هذا الاستفهام الناري .. ولكن نعود فنكرر : كيف لم يكتشفها جناب "عزيز مصر"؟! أو "معالي الوزير" الذي يعرف دَبة النملة في مصر ولديه عسس وعيون وأجهزة مخابرات ؟!
السبب هو قدراتها التمثيلية البارعة التي أورثتها لكثيرات من النسوة اللواتي أصبحن يمارسن فن "التمثيل" وبإتقان منقطع النظير ! على سيادته .
القضية لا تحتاج إلى كيمياء أو فيزياء ليعرف جنابه أن جنابها : مومس أو بغي أو داعرة أو عاهرة ! لكنه أداء المرأة التمثيلي وتلك السُّنَّة السيئة التي استنتها امرأة العزيز في التمثيل بجدارة .. وعجباً لقصة يوسف التي ضربت لنا " مثالين في "فن التشخيص": الأول لأخوة يوسف وخابوا فيه بجدارة !
والثاني لامرأة العزيز وقد تفوقت فيه بامتياز وإبداع مع كل مراتب القبح والقذارة ! هذا يعكس لنا أن المرأة على الجانب التمثيلي أبرع من الرجل في عموم الحرفة ! لماذا ؟! لأنه ميراث امرأة العزيز .. امرأة متلبسة برغبتها بفعل الفاحشة وشهد شاهد من أهلها عبارة عن طفل رضيع لا يتكلم .. أنطقه الله ليصبح " آية خاصة " ! وقميص قُدَّ من دبرٍ ومظهرها العام وزينتها وملابسها وتطيبها ومشاعرها والتاريخ بالتأكيد والجغرافيا وعلم الرفع الجر والنصب .. وتاريخها الأسود مع العزيز .. كل ذلك يدينها !
ومع كل ذلك تكسب القضية الدنيوية وتسجن نبي الله يوسف بقرار امرأة ! حرم وزير ! إنه ميراث فن التشخيص !
فكيف لهذه المرأة أن تتلون في ثوانٍ معدودة ويتحول فحيح رغبتها إلى صراخ رفض وثورة اعتراض ؟! وكيف لشهقاتها الحائرة ودلالها المتهادي الثائر على مقاييس زلازل ريختر وصعقات كهرباء ماركوني وجميع مخترعات أديسون .. كيف يتحول كل ذلك إلى أخطبوط اتهام ضد يوسف .. لتتلون الحرباء في لحظات .. من أفعى إلى بكر بتول .. تطالب بالقصاص من نبي ؟!
إنه فن التشخيص .. رغم أن المكياج والمونتاج والمكساج والدوبلاج والتروكاج والإكسسوار يدينها ! لكن فن التلوين والتنغيم الصوتي وفن الفحيح والسموم كان أجدى .. فلم يؤخذ إلا برأيها !
فماذا حدث ؟! بعد أن قال يوسف في عجالة رداً على اتهامها له وإصدار حكمها ضده .. فقال :
"هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي" ولما لم يتكلم زوجها "سيادة الوزير" ! أنطق الله الطفل الرضيع ليحسم القضية ويكشف بهتان امرأة العزيز وحماقة السيد الوزير " عزيز مصر " ! فـ شهد شاهد من أهلها .
حين أُنطِقَ الطفل في مهده ليكون الشاهد الرسمي في قضية النبي يوسف وامرأة العزيز .. إن في رحلة يوسف معجزات وآيات صادعة صادمة وظواهر غير طبيعية ليست تقليدية فهل اتعظ منها " بنو إسرائيل " ؟!
وكذلك لم يتعظ منها أهل السلطة مصر !
فالله عز وجل أنطق طفلاًَ في المهد فلم يحرِّك ذلك ساكناً لا عند امرأة عزيز مصر ولا عند العزيز نفسه ! والله عز وجل أنطق ذئباً لبني إسرائيل حين سأله النبي يعقوب عن جريمة دم ولده فنطق الذئب وأوضح قضيته وهدفه أنه جاء من مصر ليبحث عن أخيه في بلاد كنعان وأقسم الذئب ألا يقيم في بلدٍ يكذب فيها أولاد الأنبياء وترك قضيته الرئيسية في البحث عن شقيقه وعاد إلى مصر ! لماذا ؟! بيد أن بني إسرائيل لا يكذبون فقط .. بل ستتعجب من أفعالهم حتى الحيوانات ! فإن كان حيوانات مصر يرفضون كذب بني إسرائيل .. فهل يقبل ذلك أهل السياسة والفِكر والدين في مصر ؟!
إذ كيف يصدِّق العزيز كذب امرأته ويكذب شهادة الطفل في المهد ؟!
فما الحكمة في ذلك ؟! واشتعلت الواقعة مع نطق الطفل ..ولم يتحرك للعزيز ساكن .. بل لم ينطق بعد ! كارثة على كرسي المسئولية في مصر !
عزيز مصر – بجلال قدره وعظيم شأنه- لا يستطيع أن يتخذ قراراً واحداً صائباً في بيته ..ويحكم مصر ويقضي بين شعبها ويتحكم في مصائر شعبها؟
وحتى تلك اللحظة لم ينطق –البيه- سيادة الوزير .. عزيز مصر الهُمام !
بل تكلم الله عز وجل ولم ينطق عزيز مصر !
الله تكلم نيابة عنه .. لأن سيادته نظر للقميص تلقائياً وآلياً دون أن يسترعي انتباهه " كارثة نُطق الطفل في المهد "!
وقال الله عنه : " فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ ....
أخيراً سيقول سيادته ! رجل دولة يفترض فيه أنه يسبق الأحداث استباقياً ويتوقع المخاطر ويعالجها .. ويتخذ إجراءات احترازية للحيلولة دون الخطر .. متى نطق جنابه ؟! سيادة الأبكم ! كأن مظهر امرأته الخارج وزينتها وهيئتها واستعدادها للفاحشة لم يسترع انتباهه .. وكأن القميص الممزق من دُبرٍ على سيدنا يوسف لم يلفت ناظريه ! فكانت كارثة :
إنطاق الطفل الشاهد وهو في المهد ! إنه رجل فَكِه بالفعل ! نظر العزيز تلقائياً إلى قميص يوسف بشكلٍ آلي فوجده "قُدَّ" من دُبرٍ .
السؤال : ماذا يفعل العقلاء " من المحكومين حتى " في واقعة نطق الطفل في المهد " ؟ فقط لننسى كل ما سبق ونتوقف أمام نُطق طفل في المهد !
ماذا سنفعل ؟! أقلها سنقول : لا إله إلا الله ! ما هذا يا خلق هووووووه ؟! استر يا رب ! طفل يتكلم في المهد ؟! وستنسى قضية الهانم حرم جنابك أو سيادته ! لأن آية نطق طفل في المهد أكبر وأعظم .. أما موقف نطق طفل في المهد فلم يفعل شيئاً في معالي الوزير .. عزيز مصر !
بل نظر تلقائياً صوب " القميص " لينفذ ما أُمِرَ به من الطفل !
عجباً لهذا الرجل الآمر الناهي في مصر كلها ! الذي لم يعلق أو يعقِّب على هذه الظاهرة الغريبة التي تقشعر منها الأبدان ! مما يوحي لك أن هذا الوزير معتاد على تنفيذ الأوامر فقط ! سواء أوامر زوجته أو الملك أو الأطفال ! فكيف توقره الست حرمه أو تحسب امرأته حسابه ؟!
فلما نطق الزوج المحترم ! قال لزوجته :
- إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ .
إنه لم يجرؤ أن يتهمها اتهاماً مباشراً أو حتى يرفع صوته بالرفض ولو حتى بكارت " فيتو " من باب المجاملة أو ذراً الرماد في العيون ! بلاش كارت أحمر ويخرجها من البيت على ملا وجهها بحالتها " زلط مَلط " بعد أن يجرجرها وبالجزمة وفين يوجعك يا زليخة !
إنَّ امرأة العزيز قد خانت مطلب زوجها في "أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً" وهذا دليل خيانة واضح يؤكد أن الخيانة في امرأة العزيز أصل وشيء اعتيادي ومنهج ونبراس وفِقْه وفلسفة ومزاج ! حيث راودته عن نفسه وهو محل "وصية من زوجها" !
فاكتفى بأن قال لها بصيغة " الجمع " مع جميع النسوة من أمثالها :
"إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ"
ثم نظر إلى يوسف وهو واثق من براءته قائلاً :
"يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا" أي لا تخبر أحداً ! ثم توجه نحوها بدون ذكر اسمها لأنه يبدو لا يستطيع أن يناديها باسمها لأنها قوية الشخصية وقال لها وهو منكِّس الرأس بخجل المعتاد :
- "وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخَاطِئِينَ"
هل هذا هو حُكم عزيز مصر العادل القاضي الفاصل بين الناس في طِيْبة ؟!
لقد حِيفَ العزيز وجار وزَلَّت قدمه من بعد ثبوتها .. يبدو أنه صنَّف قضيته في كتاب السماح والمسالمة والمغفرة الدائمة .. باب "عليه العوض" فصل : اللي بيكذب بيروح النار وربنا بيعذبه ‍‍يا حياتي .. استغفري ربنا يا روحي ! باي ! " فهل هذا الصمت هو فلسفة الكبار في فن التعامل مع الأزمات من أجل صون مقاعدهم الماسية وحفظ كراسيهم الهامة ؟! هل يصمتون في أعراضهم "ويكفون ع الخبر ماجور" ! هل يؤثرون السلامة رغم الكارثة ويديرون ظهورهم لعوراتهم المفضوحة وغرف نومهم المجروحة ونسائهم المنكوحة وبيوتهم المسفوحة من أجل السُلطة ؟! هل يضعون على أعينهم غمامة وعلى أفواههم كمامة ويتحولوا إلى صُمٍّ بُكمٍ عُمي لا يفقهون من أجل الحُكم والمسئولية ؟! هل هذه هي حياة الكبار ومناهج عِلية القوم وفلسفة الناس الأكثر أهمية في مصر ؟! وإلا فكيف سكت العزيز .. عزيز مصر ؟!
وما هي حدود امرأة سيادته في مصر على وجه التحديد ؟! هل هي سُنَّة راتبة وعادة معتادة وموضة دائمة وفرض عين أن تتحول زوجة سيادته إلى أخطبوط منفرد وبيت حُكم مستقل ؟! فهي التي تحكم الحاكم .. هو يحكم مصر من قصر الحُكم الرسمي، وهي تحكُم سيادته من قصر الزوجية .. وبالتحديد من غرفة نوم سيادته ؟! وكيف تعبث حرم سيادته في عورة السُلطة وملابس النظام الداخلية وسُرَّة الحُكْم طالما أن سيادته ليس له عورة ولا نظام "ومابيعرفش" يحكُم ؟! فهي وحدها التي تأمره وتنهاه وتردعه وتزجره ؟
وهي دون غيرها التي تأباه وتنفره، تدنيه وتبعده، تمنعه وتمنحه ؟!
حرم سيادته ؟! وأين سيادته ؟! أين عزيز مصر إذن ؟! وهل من حق -الهانم- حرم سيادته أن تغترف حفنة أو كَبشة من وزراء عزيز مصر أو من رجال السياسة القابعين على هرم المسئولية في طِيْبة وتذهب لتفتتح "كوبري" في منف أو شق ترعة في النوبة أو تمهيد طريق في وادي الملوك أو حضور حفل ساهر في طريق الكِباش ؟! ما هو بالفعل حدود دور حرم سيادة عزيز مصر ؟! وهل أصبحت هي صاحبة سيادة بدون عِلم شعب طِيْبة ؟!
إن مصر من البداري إلى البراري ليست مِلكاً لا لعزيز مصر ولا للست الهانم حرم سيادته .. فمصر للمصريين وهُم الذين يختارون عزيز طِيْبة أو مَلِك منف .. إن عزيز مصر لا يمتلك أبيدوس ولا سخا ولا ممفيس ولا تل العمارنة .. إنه مُجرد عامل على طِيْبة فكيف تتحكم زوجة سيادته في شعب مصر ومقدراتها ؟!
ومِنْ أين للهانم كل هذا النعيم الذي ترفُل فيه من العبث برجالات حكومات مصر وتغيير كبراء السلطة كما تغير حقائبها أو أحذيتها !
فما علاقة –الهانم- إياها بالسلطة على أرض طِيْبة ؟! ومِنْ أين تشبع نهمها وشراهتها في عشقها لنفيس المجوهرات وغالي الثياب .. إذا كان سيادة العزيز يرضى أن تحكمه امرأته في قصر مسكنه .. لكونه رجلاً مريضاً وعنيناً .. فمَنْ أذِنَ له بأن تحكم السيدة حرمه مصر المحروسة ؟! وهل هي حقاً محروسة أم أنها شائعة وهمية ؟! وكيف امتدت سياسة الشراكة في الحكم بين سيادة عزيز مصر والهانم حرمه "من الباطن" ؟! إن امرأة العزيز هي أول سيدة في تاريخ مصر أخرجت المرأة المصرية من قمقم الحريم إلى مندوحة الشهرة ومِنْ بعدها أتت كليوباترا وشجرة الدر وزينب الوكيل والملكة نازلي وجيهان السادات و.... !
فإلى امرأة العزيز يُعزى الميراث الأول والسبق المتفرد والفضل الفعلي في خروج المرأة في طِيْبة من ظلمات ودياجير الكواليس إلى نور ومضات الإعلام وأغلفة الصحف في الداخل والخارج .
إن المرأة في طِيْبة قد حصلت على كامل حرياتها، بل وسلبت "السيد" الرجل كافة حقوقه، وعبثت في ورقة التوت التي تستره، وربما سلبته إياها في كثيرٍ من الأحايين ! فقد تمتعت بكل حقوقها فوق أي تصور وأبعد مدى وأنأى حد منذ أن سجنت نبياً ! نعم سجنت المرأة نبياً بتهمة كاذبة .. وفي عصر حكم "السادة الرجال" ! فمنذ متى كانت المرأة بلا حقوق !
بل : أين هي حقوق البيه الرجل ؟! أين حقوقه منذ عصر النبي يوسف الذي تم سجنه ظلماً بأمر امرأة ؟! أين جمعيات حماية الرجل من المرأة الجبروت أو المرأة العنكبوت لا فرق ؟! أين جمعية واحدة تحمي جناب الرجل من الأكياس البلاستيك أو حتى حمايته من فنون المرأة في السطو على ثرواته وأمواله وجيوبه التي تتعرض للتمشيط والتجريف اليومي المشروع والغير مشروع بدعاوي : مصاريف الأولاد ! فالرجال ضحايا النساء منذ سالف الأزمنة وغابر العصور وسلوا إن شئتم امرأة العزيز وامرأة فرعون ! وأم أربعة وأربعين !
لقد خرجت امرأة العزيز على إجماع كل مشاهير النساء قبلها .. فامرأة نوح لم تجد غير جلوسها أمام التنور "الفرن" لتعد الخبز أو القديد .. وحتى امرأة لوط كذلك .. وهاجر شُغِلت بالبحث عن الأمان وألم المخاض .. وسارة عانت خلف زوجها الرجل في مواجهة الطغاة والنماردة ولم تحكم مطلقاً وآثرت الحياة في "ظل" إبراهيم متفرغة للإيمان به وعبادة ربه .
ومريم كذلك .. صوامة قوامة تكابد هموم الأسرة فكانت خير امرأة تلد نبياً وتعيش خلفه في الظل .. فمن منا يعرف ماذا فعلت مريم أو ماذا عن حياتها بعد أن نطق عيسى عليه السلام في المهد ؟
لقد تأكد الزوج – عزيز مصر العظيم – بما لا يدع مجالاً للريب من خيانة زوجته عندما رأى قميص يوسف ممزقاً من الخلف .. لكن الدم لم يغلِ في عروقه ولم يثر فيه نخوة الرجولة ولا شهامة الذكورة فلم يصرخ ولم يغضب ولم يتمعَّر جبينه -حتى– من حُمرة الخجل .. هل فرضت عليه قيم الطبقة الراقية التي وقع فيها الحادث أن يواجه الموقف بلباقة وتلطف ؟! حين نسب ما فعلته امرأته وزوجته وسيدة قصره إلى كيد النساء عموماً .. وصرح بأن كيد النساء في عمومهم عظيم ! وهكذا ساق عزيز مصر خيانة زوجته كما لو كان ثناء يساق إليها !
فهل يسوء المرأة أن يقال لها : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ؟!
ثم يلتفت عزيز مصر إلى يوسف قائلا له :
- يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا .. أَهْمِل هذا الأمر ولا تعره اهتماماً ولا تتحدث به لأحد قط .. أنت تعلم منصبي ووضعي الاجتماعي .. أعتقد أنك تفهم ذلك جيداً يا يوسف .
فضيحة .. كارثة .. مصيبة .. طامة !! أُسقِطَ في يد يوسف بالتأكيد !
عزيز مصر يضبط امرأته متلبسة بفضيحة مدوية تستوجب رجمها على جميع الأديان على مر العصور .. ويتركها –حتى- دون طلاق أو ملامة !
من أجل ماذا ؟! ليس إلا وجاهته ومقعده ومنصبه الاجتماعي ! يحافظ على الظاهر فقط وإن فسد الجوهر ! إنه حتى لم يوجه لزوجته رداً أو نقداً أو عتابا
بعد أن ضبطها ممزقة قميص يوسف من دُبُرٍ.. وبعد أن نطق الطفل في المهد
يا عجباً على مأساة يوسف ! فإخوة يوسف كذَّبوا الذئب حين نطق ببراءة يوسف ! وعزيز مصر – بجلال قدره وفصل عدله ومحكم قضائه - يُكذِّبُ الطفل الرضيع حين نطق في مهده ببراءة يوسف وإدانة زوجته المومس !
واعجباه ! لم يفصل سيد البيت ومالِك قضاء مصر وحاكمها ووزير ماليتها ووزير داخليتها وأمنها في نفس الوقت .. لم يفصل في قضيةٍ شخصية تخُص شرفه ووجوده وكرامته وعرضه ورجولته !
فكيف يفصل في شرف مصر ويقضي بين شعبها ويحمي حدودها ويذب عن حياضها ويتصرف في أموالها ؟! فحاكم مصر ووزيرها الأول والأهم والأخطر صاحب كلمة الفصل فيها وفينا لم يفصل بين زوجته وفتاها .. كل ما طلبه ورامه ونشده وشَدّد عليه هو : إغلاق الحديث في هذا الموضوع .. فهل تحقق له ذلك في قصر السلطة البيتية الذي تحكمه الهانم السيدة الأولى حرم سيادته في ظل وجود عشرات الخدم والخادمات والمستشارين والوصيفات ؟! والكارثة الأخرى .. أنه :
لو كان يوسف قد تلقى عِلمه الأبوي ومنهجه الدنيوي وشيم الرجولة ومفاهيم الحياة ومقومات الشخصية من عزيز مصر كيف كنا رأينا شخصيته ورجولته وأُسسه وعلومه ومناهجه ؟!
بالتأكيد كانت ستكون مثل سيده العزيز الذي رباه وآواه وعلمه ! فأي تعاليم ومقومات ومفاهيم هذه التي ينتهجها عزيز مصر ؟! ولكن يوسف يتلقى علومه ومفاهيمه وتعاليمه من رب العالمين .. لذا فقد قفز فوق سبعة عشر نقطة حصينة وحافزاً قوياً يتيح له الطريق إلى ممارسة الفاحشة .. نعم سبعة عشر سبباً مقنعاً يدعوه إلى الزنا وتجاوزها يوسف جميعها وهي :
أولا .. راودته وذلك يعني مِراراً وتكراراً .. ثانيا .. هو في بيتها.. أي ليس غريباً يُشك فيه إذا دخل البيت .. ثالثا .. أنها غلقت الأبواب وغاب الرقيب، وهذا أدعى للوقوع في الحرام .. رابعاً .. أنها تجملت وتعطرت وتجهزت له زيادة في الإغراء، وهذا يكون أشهى من المرأة الاعتيادية الغير متجملة أو متأنقة .. خامساً .. أنها شجعته على ذلك وقالت : هيت لك .. تعال .. هيا .
سادساً .. أنه كان شاباً .. وداعي الزنا عند الشباب أكبر .. سابعاً .. أنها كانت سيدته لها عليه الأمر و النهى و الطاعة .. ثامناً .. كان عبداً و داعي الزنا عند العبد أكبر من الحر لأن الحر يخشى الفضيحة أما العبد فينظر إليه من مستوى أدنى .. تاسعاً .. أن الرجل كان غريباً عن البلد .. والغريب لا يخشى الفضيحة مثل ابن البلد .. عاشراً .. أن المرأة كانت جميلة وداعي الزنا بالجميلة أكبر .. حادي عشر .. أن المرأة كانت ذات سلطان يمكنها أن تدافع عن يوسف لتصون حبيبها وتحميه فيكون داعي الزنا أيسر وأقرب وأكبر .. ثاني عشر .. أن زوجها ضعيف الشخصية فبالرغم من رؤيته وعلمه بما حصل إلا أنه أبقى عليه في قصره مع امرأته فما أخرج يوسف وفصَلَه عن زوجته وبقي الأمر كما هي عليه فقط : (يوسف أعرض عن هذا) و (استغفري لذنبك ) .. ثالث عشر .. أنها استعانت عليه بكيد النسوة زيادةً للفتنة .. رابع عشر .. أنها هددته بالسجن .. خامس عشر .. أنها زوجة رجل مهم جداً .. زوجة الحاكم بأمره والقاضي بهواه في مصر .. سادس عشر .. أن ثراءها يمكن أن يوفر له الثروة والمال .. سابع عشر .. أن كونها امرأة صانعة قرار في مصر يمكنها أن توفر له الجاه والوضع الإجتماعي والمرتبة الرفيعة والوظيفة الخيالية حيث إنها زوجة العزيز وابنة شقيق المَلِك .
أليست هذه سبعة عشر سبباً بالفعل ؟! أليست سبعة عشر سبباً مغرياً على ارتكاب فاحشة الزنا ؟! نعم .. ولقد عبرها وقهرها وقفزها يوسف وانتصر عليها وداسها بقدميه فماذا كان المقابل ؟! كان المقابل سبعة عشر سنة سجن في غياهب سجون العزيز الظالمة !! يرفض سبعة عشر سبباً للغواية فيمكث سبعة عشر سنة في السجن !! معادلة ربانية عجيبة .. يصعب علينا فهمها أو إدراكها أو دراستها بكل تأكيد ! إنها مقاييس الله .. التي تراها في :
" وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ "
ولكن هذا هو المقابل ليوسف وموسى ؟! كان المقابل الظاهري ليوسف هو السجن سبعة عشر سنة وتغريب خمسة وأربعين عاماً .. أما المقابل الرباني العظيم فكان النبوة والمُلك والحُكم والنصر والعودة لأبيه ورفعة أهله بدخولهم مصر .. وكذلك رُفِعَ قدْر موسى بعد تغريبه .. فعاد لأمه وكشف فرعون وهزمه وسلب مُلكه .. فمقاييس الله الظاهرية والباطنة لا يعلمها إلا هو جلَّ وعلا !! فماذا عن فضيحة امرأة العزيز ؟

 

لتحميل وقراءة الرواية اضغط هنا

سري للغاية

  • صدام حسين ولعبة المخابرات >

    Read More
  • 1

أحدث الأخبار

اشترك لتصلك أحدث الأخبار

000114596

للاتصال

 بريطانيا – لندن 

WhatsApp   : 00447456158450

 Mob(Office): 00447460738362

البريد الاليكتروني

anis.aldeghidy@anisaldeghidy.com